أبي منصور الماتريدي
519
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
قال بعضهم : قول العرب : قبح الله وجهك ، وسوّد الله وجهك ليس على إرادة [ السواد والقبح ] « 1 » ، ولكن على إرادة ما يكرهه . وقال الحسن « 2 » : قوله : ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا أي : متغيرا من الغم وهو كظيم : أي : حزين ، وهكذا العرف في الناس أنه إذا اشتد بهم الحزن والغم ، يظهر ذلك في وجوههم قبحا وسوادا « 3 » . يَتَوارى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ ما بُشِّرَ بِهِ أَ يُمْسِكُهُ عَلى هُونٍ . يذكر فيه كيف يصنع به : أيمسكه على هون أي : على هوان يضر به ويسيء صحبته أم يدسّه في التراب وهو حي ؛ فيقول : إن ربي اختار البنات فأبعث بها إلى ربى ، فإنه أحق بها ، وهي الموءودة التي قال الله : وَإِذَا الْمَوْؤُدَةُ سُئِلَتْ [ التكوير : 8 ] وإنما كانوا يصنعون ذلك خشية إملاق ؛ كقوله : وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ [ الإسراء : 31 ] . وقوله - عزّ وجل - : أَلا ساءَ ما يَحْكُمُونَ في جعلهم لله ما كرهوا لأنفسهم ، أو في قولهم : وَاللَّهُ أَمَرَنا بِها [ الأعراف : 28 ] ، أو في قولهم : هذا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهذا لِشُرَكائِنا [ الأنعام : 136 ] ونحوه ، والله أعلم . وقوله - عزّ وجل - : لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ . قال بعضهم : قوله : مَثَلُ السَّوْءِ أي : لهم جزاء السوء ؛ وهو النار . وقال الحسن : مثل السوء : أي : صفة السوء التي وصفوا بها ربهم أنه اختار البنات . وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلى . أي : الصفة الأعلى التي ليس لها شبه ؛ فإن تلك الصفة من صفته ، ويشبه أن يكون قوله : مَثَلُ السَّوْءِ بما سمّاهم مرة موتى ، ومرة فسقة ، ومرة ظلمة ، ومرة هم في الظلمات ، وأمثاله ، لهم ذلك الوصف بما أنكروا الآخرة ، وذلك مما توجبه « 4 » الحكمة والعقل والشريعة ، فلهم ذلك الوصف والمثل السوء ؛ بما أنكروا ما توجبه الحكمة والعقل والشريعة . ويحتمل مَثَلُ السَّوْءِ : شبه السوء . ويحتمل مَثَلُ السَّوْءِ : النعت والصفة ، فإن كان هو على الشبه فهو في الدنيا ؛ لما
--> ( 1 ) في ب : القبح والسواد . ( 2 ) قاله البغوي ( 3 / 73 ) ، دون أن ينسبه لأحد . ( 3 ) ينظر : اللباب ( 12 / 89 ، 90 ) . ( 4 ) في أ : يوجب .